يشهد جهاز المخابرات والأمن القومي الصومالي تحوّلًا نوعيًّا في بنيته المؤسسية وأدائه العملياتي، وهو تحوّل ارتبط بقيادة سعادة مدير الجهاز، مهد محمد صلاد، التي نقلت الجهاز من مرحلة إعادة التنظيم الداخلي إلى مرحلة وطنية أكثر رسوخًا وفاعلية. وقد أسهمت هذه القيادة في ترسيخ مفهوم أن الجهاز مؤسسة وطنية لحماية الدولة والمجتمع، وليس أداة صراع سياسي أو جهة تستهدف المواطنين، بل جهاز يعمل وفق القانون ويستهدف المجرمين والإرهابيين فقط.
إعادة البناء المؤسسي: تأسيس بنية حديثة.
منذ تولّي سعادة مدير الجهاز مهامه في مايو 2022، ولدى إعادة تعيينه في 1 يونيو 2025 بعد حصوله على ثقة سعادة رئيس جمهورية الصومال الدكتور حسن شيخ محمود مرتين، أُطلق برنامجه الإصلاحي الشامل لإعادة هيكلة الجهاز إداريًّا وعملياتيًّا. شمل ذلك تحديث منظومة القيادة، وإعادة توزيع الاختصاصات، وإنشاء مساعدين ومديريات ووحدات وأقسام ومكاتب تخصصية في مجالات الأمن والاستخبارات، وإدخال أنظمة رقمية حديثة أسهمت في تسريع تبادل المعلومات ورفع دقة العمل الاستخباراتي
كما أولت قيادة سعادة المدير مهد صلاد اهتمامًا كبيرًا بالعنصر البشري من خلال تحسين بيئة العمل، ومراجعة نظام الرواتب، وتوفير الرعاية الصحية، وتنظيم برامج تدريبية داخلية وخارجية، مما عزّز الانضباط والانتماء المؤسسي ورفع كفاءة الأداء.
الشرعنة القانونية: التحول إلى مؤسسة خاضعة للقانون.
شهد الجهاز في عهد سعادة مدير صلاد تحولًا تاريخيًّا تمثّل في إخضاعه للإطار القانوني والدستوري، بعد:
- مصادقة مجلس الوزراء على قانون الجهاز في 5 يناير 2023.
- إقرار البرلمان للقانون في 6 فبراير 2023.
- توقيع فخامة الرئيس حسن شيخ محمود على القانون في 8 مارس 2023.
وبذلك أصبح الجهاز مؤسسة شرعية تعمل وفق سيادة القانون، منهيةً مرحلة التخبط والانفراد بالقرار، ومعززةً مبدأ المساءلة والحوكمة المؤسسية. وأسهم هذا التحول في ترسيخ صورة الجهاز كجهة وطنية قانونية هدفها حماية الوطن والشعب وممتلكاته.
الفاعلية العملياتية: مقديشو منطقة أكثر أمنًا.
بعد تثبيت الأسس المؤسسية، انتقلت قيادة سعادة المدير إلى مرحلة الفاعلية الميدانية، حيث نُفذت عمليات نوعية بالتنسيق مع الجيش والشرطة والشركاء الدوليين في إطار مكافحة الإرهاب.
وقد أسفرت هذه الجهود عن:
- قتل مئات من الإرهابيين.
- تفكيك شبكات التمويل غير المشروع للجماعات الإرهابية.
- إحباط مخططات استهدفت مؤسسات الدولة والبنية التحتية.
- تعزيز أمن الفعاليات الرسمية والمنشآت الحيوية.
- إحباط محاولات الاغتيالات الإرهابية داخل العاصمة.
وبفضل هذه الإجراءات، شهدت العاصمة مقديشو خلال الفترة بين 2022 و2026 تحسّنًا ملحوظًا في الوضع الأمني، وانخفاضًا كبيرًا في وتيرة العمليات الإرهابية، مع انخفاض حوادث الاغتيالات مقارنة بالسنوات السابقة، مما جعل المدينة أكثر استقرارًا وعزّز ثقة المواطنين بالأجهزة الأمنية وتعاونهم معها.
جهاز وطني لا أداة صراع.
أكدت سياسة سعادة المدير أن الجهاز مؤسسة وطنية جامعة لا تنخرط في الصراعات السياسية ولا تستهدف النشاط المدني المشروع، بل تعمل وفق القانون لحماية الوطن وملاحقة المجرمين والإرهابيين فقط.
وقد أسهم هذا النهج في:
- بناء جسور الثقة مع مختلف الأطراف السياسية.
- تخفيف التوترات الداخلية.
- تعزيز القبول الوطني للجهاز بوصفه مؤسسة دولة مهنية.
دعم مكافحة الإرهاب وبناء مؤسسات الدولة
لعب الجهاز في عهد سعادة المدير دورًا محوريًّا في دعم مصادقة قوانين مكافحة الإرهاب وتطبيقها ميدانيًّا، كما عمل بالتوازي مع مؤسسات الدولة على تعزيز الاستقرار المجتمعي، بما في ذلك دعم التوجهات الحكومية لإنشاء مؤسسات لرعاية أسر الشهداء، وهو ما يعزز بناء الدولة وترسيخ الشرعية.
التعاون الإقليمي والدولي
وسّع سعادة المدير نطاق التعاون الاستخباراتي مع الدول الشقيقة والصديقة والمنظمات الدولية، من خلال تبادل المعلومات وبناء القدرات والتنسيق في مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة، الأمر الذي أسهم في رفع مستوى الثقة الدولية بالجهاز وتحسين صورته الخارجية.
خاتمة
إن التحوّل الذي شهده جهاز المخابرات والأمن القومي الصومالي في عهد سعادة المدير مهد محمد صلاد لم يكن مجرد تطويرٍ تقني في أساليب العمل، بل مثّل إعادة تعريفٍ لدور المؤسسة الأمنية في الدولة الصومالية الحديثة. فقد انتقل الجهاز من منطق ردّ الفعل إلى ثقافة المبادرة الاستباقية، ومن هاجس مكافحة التهديدات فقط إلى بناء شراكةٍ واعية مع المجتمع تقوم على الثقة وسيادة القانون واحترام التعدد السياسي.
وخلال الفترة الممتدة بين 2022 و2026، أسهمت الهيكلة المؤسسية ورفع مستوى الاحترافية في تعزيز الانضباط والكفاءة العملياتية، وانعكس ذلك على الواقع الأمني في مقديشو بتراجعٍ ملحوظ في الاغتيالات والاختراقات الإرهابية، بما أعاد للمواطن شعور الطمأنينة، ورسّخ صورة الجهاز بوصفه مؤسسة وطنية لحماية الإنسان قبل المكان.
كما أن اعتماد نهجٍ منفتحٍ على القوى السياسية والاجتماعية أسّس لبيئةٍ جديدةٍ تقوم على التوافق لا الإقصاء، وعلى الأمن الشامل لا الأمن السلطوي، وهو ما يعكس فهماً معاصراً لوظيفة أجهزة الاستخبارات في الدول الخارجة من النزاعات، حيث تصبح الشرعية القانونية والقبول المجتمعي ركيزتين لا تقلان أهمية عن الكفاءة الميدانية.
ومن هذا المنطلق، يمكن النظر إلى تجربة جهاز المخابرات والأمن القومي الصومالي في هذه المرحلة بوصفها نموذجاً أفريقياً وعربياً لمؤسسةٍ أمنيةٍ حديثةٍ تتوازن فيها متطلبات الاستقرار مع قيم الدولة القانونية، وتُبنى فيها الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة باعتبارها الضامن الحقيقي للأمن المستدام.
إن الأمن لم يعد مسؤولية جهازٍ بعينه، بل مشروعاً وطنياً مشتركاً، تتكامل فيه جهود الدولة والمجتمع، وتُصان من خلاله وحدة الوطن وكرامة المواطن. وهي رسالةٌ تتجاوز حدود الصومال لتؤكد أن إصلاح المؤسسات الأمنية على أسسٍ مهنية وقانونية هو الطريق الأقصر نحو الاستقرار والتنمية في العالمين العربي والأفريقي.





